ابن الجوزي

43

كتاب ذم الهوى

عبرة ، ومع كلّ شهوة زاجر عنها ، فمن قرن شهواته بالاعتبار ، وحاط نفسه بالازدجار ، انحلّت عنه ربقة العدوان ، ودحض سيّىء فكره بإيثار الصبر على شهوته ، لما يرجو من ثواب اللّه على طاعته ويخاف من عقابه على معصيته . أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أنبأنا عبد القادر بن محمد ، قال : حدثنا إبراهيم بن عمر البرمكي ، قال : أنبأنا عبد اللّه بن عبد الرحمن الزهري ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا محمد بن العباس بن الفضل ، قال : سمعت وهب بن نعيم بن الهيصم يقول : قال بشر الحافي لحسن الفلاس : من جعل شهوات الدنيا تحت قدميه فرق الشيطان من ظله ، ومن غلب علمه هواه فهو الصابر الغالب ، واعلم أن البلاء كله في هواك والشفاء كله في مخالفتك إياه . وقد حكي عن أنوشروان أنه سئل : أيّ الأشياء أحقّ بالاتقاء ؟ فقال : أعظمها مضرّة . قيل : فإن جهل قدر المضرة ؟ قال أعظمها من الهوى نصيبا . وقيل للمهلب بن أبي صفرة : بم نلت ما نلت ؟ قال : بطاعة الحزم وعصيان الهوى . وقال بشر الحافي : لقيت عليّا الجرجرائي بجبل لبنان على عين ماء ، فلما بصر بي قال : بذنب مني لقيت اليوم إنسانا . فسعيت خلفه وقلت : أوصني . فالتفت إليّ وقال : أمستوص أنت ؟ عانق الفقر وعاشر الصبر وعاد الهوى ، وعف الشهوات ، واجعل بيتك أخلى من لحدك يوم تنقل إليه ، على هذا طاب المسير إلى اللّه عز وجل . قال أبو علي الدقاق : من ملك شهوته في حال شبيبته صيّره اللّه ملكا في حال كهولته ، كيوسف عليه السّلام ، إنه من يتق ويصبر فإن اللّه لا يضيع أجر المحسنين . وقال عبد الصمد الزاهد : من لم يعلم أنّ الشهوات فخوخ فهو لعاب .